ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

244

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

الصورة وهكذا كل موجود إنما هو في البعضيّة ، فافهم . ( إنسانا ) من أنست الشيء إذا أبصرته ، قال سبحانه عن نبيه عليه السلام أنه : آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً [ القصص : 29 ] : أي أبصر ، وإنما قلنا : أنس بمعنى : أبصر ؛ لأنه كان به بصيرا ، وهو المثال الذي في العين لغة ، ذكره في القاموس . فسمّي الإنسان إنسانا لكونه مثال ما في العين الوجود ، أو مثال ما في العين الثابت ، أو مثال ما في العلم فافهم ، أو من الإنس ؛ لأنه أنس الرتبة الكماليّة الأسمائيّة ، وإنما قدمت الوجه الأول ؛ لأنه أوجه بمراد المصنف رضي اللّه عنه . ثم اعلم أنه تعالى قال : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً [ الإنسان : 1 ] فإنه أحد الموجود ، وأول المقصود ، وأمّا تأخيره ؛ لأنه في الحقيقة حضرة التصوير ، وحضرة التصوير هي آخر حضرة الخلق ، وليس ورائها حضرة للخلق ، والإبداع جملة واحدة . أما ترى قوله تعالى : هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ [ الحشر : 24 ] أخّر درجة التصوير عن درجة الخلق والإبداع فهي المنتهي والعلم أولها ، والهويّة هي المنعوتة بهذا كله ، فابتدأ بقوله : هو في العلم ثم ختم بها ، وقال : إن اللّه خلق آدم على صورته فتنبّه ، وعلى اللّه قصد السبيل ، وهو على التحقيق . ألا إن التقدّم والتأخّر من مقتضى ذات الكون ، وأن الأمر الإلهي الذي هو القول له وحدة العين ، والكثرة الموهومة من أعمال الوهم في عين الخيال ، والأمر في نفس الأمر ليس كما يتوهم في الحق تعالى أنه لا يقول لشيء كن إلا إذا أراده ورأيت الموجود ، ويتأخر وجود بعضها عن بعض ، وكل موجود لابد أن يكون مرادا بالوجود ، ولا يتكون إلا بأن يقول له : كن على جهة الأمر ، فيتوهم الإنسان ، أو ذو القوة الوهمية أن الأوامر كثيرة لكل كون أمر إلهي ، ولم نقل الحق إلا عند إرادة تكوينه ، فبهذا الوهم عينه بتقدم الأمر الإلهي الإيجابي : أي الوجود ؛ لأن الخطاب الإلهي على لسان الرسول صلى اللّه عليه وسلم يقتضي ذلك العموم ، فيصوّره مقدما وإن كان الدليل